تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
183
نظرية المعرفة
وبهذا النور الشديد العقلي ، يتلألأ فيها ( أي الروح الإنسانية ) أسرار ما في الأرض والسماء ، وتتراءى منها حقائق الأشياء ، كما تتراءى بالنور الحسيّ البصري ، الأشباح المثالية في قوّة البصر إذا لم يمنعها حجاب . والحجاب هاهنا هو آثار الطبيعة وشواغل هذا الأدنى . وذلك لأنّ القلوب والأرواح - بحسب أصل فطرتها - صالحة لقبول نور الحكمة والإيمان إذا لم يطرأ عليها ظلمة تفسدها كالكفر ، أو حجاب يحجبها كالمعصية وما يجري مجراها . وقال : إذا أعرضت النفس عن دواعي الطبيعة وظلمات الهوى ، وولّت بوجهها شطر الحق ، وتلقاء عالم الملكوت ، اتّصلت بالسعادة القصوى ، فلاح لها سرّ الملكوت ، وانعكس عليها قدس اللاهوت » « 1 » . الإلهام والإشراق ، وعلماء الغرب إنّ علماء الغرب كانوا غارقين في العلوم الطبيعية ، فلم يبحثوا عن هذا النوع من أدوات المعرفة إلّا عابراً . ومن أبرز من التفت إلى هذه الأداة هو الفيلسوف الفرنسي « هنري بِرْگسُن » « 2 » ، في آراء منفردة له في الأوساط الغربية ، حيث ذهب إلى أنّ الإنسان إنّما يدرك بعقله ظواهر الأشياء وقشورها ، وأمّا إدراك حقائقها فإنّما يتم له بالمراقبة المستمرة التي تنتهي إلى المكاشفة وشهود الوقائع . فَمَثَلُ مَنْ يريد دَرْك المعارف عن طريق العقل ، كَمَثل من يريد أن يطلع على ما في البيت بتفحص جدرانه وسطوحه من الخارج . وأمّا من يريد درك الحقيقة بالإلهام والإشراق ، فمثله مثل من يلج البيت ويتفحص الأشياء الموجودة فيه واحدة بعد الأُخرى . « 3 » كما أنّ عدّة من المكتشفين والمخترعين ادّعوا أنّ الإلهام كان العامل الوحيد لانتقالهم إلى بعض المكتشفات والمخترعات ، وربما ادّعوا أنّهم ألهموا أُموراً ، وهم في غفلة ، وعدم اشتغال بالكشف والاختبار .
--> ( 1 ) . الأسفار الأربعة : 7 / 24 - 25 . ( 2 ) . nosgreB irneH ( 1859 - 1941 م ) . ( 3 ) . وله في ذلك كلام مفصل أتى به الكاتب محمد علي فروغي في كتابه « مسيرة الفلسفة في أوروبا » : 3 / 264 - 273 ، فلاحظ .